الأعضاء: 37 الأخبار: 204 المواقع الخارجية: 10 الزوار: 66550
هارون الرشيد.. الوجه الآخر
فإن المتأمل في تاريخنا الإسلامي يجده زاخرا بالوقائع المنيرة والحوادثالمثيرة، والذكريات العطرة التي يستأنس بها المسلم على مر العصور
هذا وإن الله سبحانه اختص أناسا بالفضل والإحسان والبركة، فكانوا فيحياتهم نبراسا للخير ودعاة للهدى، وأعقبهم بعد وفاتهم بالثناء والذكرالحسن. وإن من هؤلاء النفر، الإمام الفاتح المجاهد الذي دانت له البلدان واندحرتأمامه الشجعان: أميرُ المؤمنين هارون الرشيد رحمه الله، الذي كان يغزوعاما ويحج عاماً، حتى قال فيه القائل: فمن يطلب لقاءك أو يردهفبالحرمين أو أقصى الثغور
وما حاز الثغور سواك خلقمن المستخلَفين على الأمور
فقد خلّف ذكرا حسناً، وتاريخا مجيدا هو بالحق مفخرة لكل مسلم. كان من أحسن الناس سيرة، في نفسه ورعيته، فكان يتصدق من صلب ماله في كليوم بألف درهم، وكان سريع العطاء جزيله، يحب الفقهاء والشعراء ويعطيهم، لايضيع لديه بر ولا معروف، وكان يصلي في كل يوم مائةَ ركعة تطوعا إلى أنفارق الدنيا، إلاّ أن تعرض له علة، وإذا حج أحج معه مائةً من الفقهاءوأبنائهم، وإذا لم يحج أحج ثلاثمائة بالنفقة السابغة والكسوة التامة، حتىقال فيه القائل:
ألم تر أن الشمس كانت سقيمةًفلما ولي هارونُ أشرق نورها
وكان شهما شجاعا حازماً، جوادا ممدّحاً، فيه دين وسنة.
فلما نقضت الروم الصلحَ الذي كان بينهم وبين المسلمين، وملّكوا عليهمالنقفور وكان شجاعاً، كتب نقفور إلى الرشيد كتاب، قال فيه: "من نقفور ملكالروم إلى هارونَ ملكِ العرب، أما بعد: فإن الملكة التي كانت قبلى، حملتإليك من أموالها ما كنْت حقيقا بحمل أمثاله إليها، وذلك من ضعف النساءوحمقِهن فإذا قرأت كتابي هذا فاردد إلىّ ما حملتْه إليك من الأموال،وافتدِ نفسك به وإلا فالسيف بيننا وبينك". فلما قرأ هارون الرشيد كتابه، أخذه الغضبُ الشديدُ حتى لم يتمكنْ أحد أنينظر إليه، ولا يستطيع مخاطبَتَه، وأشفق عليه جلساؤه خوفا منه ثم استدعىبالقلم، وكتب على ظهر الكتاب: "بسم الله الرحمن الرحيم، من هارون أميرالمؤمنين إلى نقفور كلب الروم قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة والجواب ماتراه دون ما تسمعه، والسلام". ثم نهض من حينه وسار حتى نزل بباب هرقلة، ففتحها واصطفى ابنة ملكها وغنم من أموالهم شيئا كثيرا وخرب ديارهم. وقد اتسعت رقعة الخلافة الإسلامية في عصره، حتى بلغت مشارق الأرضومغاربها، وكانت الأموال تحمل من جميع الأقاليم ـ بعد تكفية الجيوش ـ إلىبيت المال على بعد المسافة، وكان يستلقي على قفاه وينظر إلى السحابة،فيقول: اذهبي إلى حيثُ شئت، خراجُك يأتيني يإذن الله. وكان يخضع للكبار ويتأدب معهم، ويتواضع لأهل العلم والدين، ويحب مجالسةَ العلماءِ والصالحين.. قال أبو معاوية الضرير: استدعاني الرشيد إليه ليسمع مني الحديث، فما ذكرت عنده حديثا إلا قال: صلىالله وسلم على سيّدي، وإذا سمع فيه موعظة بكى حتى يبل الثرى، وأكلت عندهيوما ثم قمت لأغسل يديّ، فصب الماء علىّ وأنا لا أراه، ثم قال يا أبامعاوية: أتدري من يصب عليك الماء؟ قلت: لا. قال: يصب عليك أميرُ المؤمنين. قال: أبو معاوية فدعوت له. فقال: إنما أردت تعظيم العلم. وكان كثيرَ البكاء من خشية الله تعالى سريعَ الدمعة عند الذكر محباًللمواعظ، قال منصور بن عمار: ما رأيت أغزرَ دمعا عند الذكر من ثلاثة،الفضيلِ بن عياض، وأبي عبد الرحمن الزاهد، وهارون الرشيد. ودخل عليه الإمام الشافعي رحمه الله، فقال له: عِظني. فقال: اعلم أن من أطال عنان الأمل في الغِرَّة طوى عنان الحذر في المهلة،ومن لم يعول على طريق النجاة خسر يوم القيامة إذا امتدت يدُ الندامة. فبكىهارون. وقال الفضيل: قال لي هارون: عِظني. فقلت: يا حسن الوجه حِساب الخلق كلهم عليك، فجعل يبكي ويشهق، فرددت عليه وهو يبكي. وبعث هارون الرشيد إلى ابن السماك، فدخل عليه وعنده يحيى بن خالد، فقاليحيى: إن أمير المؤمنين أرسل إليك لما بلغه من صلاح حالك في نفسك وكثرةذكرك لربك عز وجل ودعائك للعامة، فقال ابنُ السماك أما ما بلغ أميرَالمؤمنين من صلاحنا في أنفسنا فذلك بستر الله علينا، فلو اطلع الناس علىذنب من ذنوبنا لما أقدم قلبٌ لنا على مودة ولا جرى لسانٌ لنا بمدحة، وإنيلأخاف أن أكون بالستر مغرورا وبمدح الناس مفتونا وإني لأخاف أن أهلك بهماوبقلة الشكر عليهما. وطلب الرشيد ماء ليشرب، ثم قال لابن السماك : عِظني. فقال له: بالله يا أمير المؤمنين لو مُنعت هذه الشربة بكم تشتريها؟ قالبنصف ملكي، قال: لو مُنعت خروجَها بكم كنت تشتريه؟ قال بنصف ملكي الآخر،فقال إن ملكا قيمته شربة ماء لجدير أن لا ينافس فيه، فبكى هارون. وقال له ابن السماك يوماً: إنك تموت وحدك وتدخل القبر وحدك وتبعث منهوحدك، فاحذر المقامَ بين يدي الله عز وجل والوقوفَ بين الجنة والنار، حينيؤخذ بالكَظَم، وتزل القدم، ويقع الندم، فلا توبةٌ تقبل ولا عثرةٌ تُقال،ولا يقبل فداءٌ بمال. فجعل الرشيد يبكي حتى علا صوته فقال يحيى بن خالد له: يا ابن السماك لقد شققت على أمير المؤمنين الليلة فقام فخرج من عنده وهو يبكي. قال الفضيل: استدعاني الرشيد يوما وقد زخرف منزله وأكثر الطعام والشرابواللذات فيها ثم استدعى أبا العتاهية، فقال له: صف لنا ما نحن فيه منالعيش والنعيم فقال: عش ما بدا لك سالمــافي ظل شاهقة القصور
تجري عليك بما اشتهيـتمن الرواح إلى البكـور
فإذا النفوس تقعقعتعن ضيق حشرجة الصدور
فهناك تعلم موقناما كنت إلا في غرور
قال فبكى الرشيد بكاء كثيرا شديداًـ فقال له الفضل بن يحيى: دعاك أميرالمؤمنين لتسرَّه فأحزنته، فقال له الرشيد: دعه فإنه رآنا في عمى فكره أنيزيدنا عمى.
و قال ذات مرة لأبي العتاهية عِظني بأبيات من الشعر وأوجز، فقال:
لا تأمن الموتَ في طرف ولا نفسولو تمتعت بالحُجَّاب والحرس واعلم بأن سهام الموت صائبةٌلكل مدَّرعٍ منها ومترس ترجو النجاة ولم تسلك مَسالكهاإن السفينة لا تجري على اليَبَس
فخر الرشيد ـ رحمه الله تعالى ـ مغشيا عليه. ولما آذن هارون بالرحيل أمر بحفر قبره في حياته وحُمِل حتى نظر إليه، فجعليقول: إلى هاهنا تصير يا ابن آدم ويبكي، وأمر أن يوسع عند صدره وأن يمد منعند رجليه، ثم جعل يقول: ما أغنى عني ماليه، هلك عنى سلطانيه ويبكي. وقيل إنه لما احتضر قال اللهم انفعنا بالإحسان واغفر لنا الإساءة.. يا من لا يموت ارحم من يموت. إن فضائل الرشيد ومكارمه كثيرة جداً، وإنما ذكرنا نموذجا من سيرته وطرفامن أخباره لتدل على مآثِره العظيمةِ، التي حفظها التاريخ وشكرها له كلمسلم صادق، فقد كان رجلا صالحا وليس كما ينشره عنه أهل الإفك والبهتان منأنه كان ذا لهو ولعب ومجون. بل هو الحاج الغازي الإمام الورع العابد التقي، وإنما لفق له هذه التهمَأهلُ الأهواء والضلال الذين غاظهم بفتوحه، وشدته على المخالفين لسنة النبيصلى الله عليه وسلم. فكم قمع الله به من فتنة وسد به من ثُلْمَة.. حتى كان الفضيلُ بنُ عياض ـأحد أئمة السلف ـ يقول: ليس موتُ أحدٍ أعزَّ علينا من موت الرشيد لماأتخوف بعده من الحوادث وإني لأدعو الله أن يزيد في عمرِه من عمري. قالوا فلما مات الرشيد وظهرت تلك الفتن والحوادث والاختلافات وظهر القول بخلق القرآن عرفنا ما كان تخوفه الفضيل من ذلك. لا شك أن في مجتمعاتنا أناسا من المُبطلين، وصورةً تتكرر في كل زمن، كلمارأوا إماما من أئمة الدين، نصر الله به السنة، وأعز به الأمة، وأعلى بهالكلمة، قاموا إليه بالكذب والتشويه وتلفيق التهم،{ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا}والله الموعد.. إلى ديان يوم الدين نمضيوعند الله تجتمع الخصوم
وإنما هذا هو دأبهم في كل زمان.. فإياكم وتتبعِ كلام أهل الأهواء والملبّسين ومن في قلوبهم مرض، فإنهميريدون أن يمسخوا تاريخَنا العطر، وأن يقطعوا صلتَنا برموزنا التي نفخربها على مر الأزمان، فلا تمكنوهم من ذلك وتقعوا في شَرَكهم، فإنهم إنبلغوا منكم ذلك ألقوا إليكم بعقائدهم المردية وآرائهم الشاذة فغيرواعقيدتكم وتابعتموهم على باطلهم فتهلِكون مع الهالكين.. فانتبهوا لما تقرأون وتسمعون، ولا تجعلوا آذانكم سماعةً لكل منكر،وقلوبَكم متشربةً لكل شبهة، واعرفوا عمن تأخذون، والى من تسمعون، واحذرواتلك الكتبَ والمحاضراتِ التاريخيةَ التي لم تؤسس على علم وتقوى، بل أسستعلى شفا جُرُف هار، فانهار بها في أودية الأهواء السحيقة، والضلالاتالبعيدة، فلا تتناول أسلافكم إلا بالسب، ولا تذكرهم إلا بالقدح والعيب. نسأل الله التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.