الأعضاء: 37 الأخبار: 204 المواقع الخارجية: 10 الزوار: 66542
رسالتي إليك.. أبي
أبي الحبيب.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد.. فرسالتي هذه إنما وجهتُها إلى قلبك المليء بكنوز الرحمة والحب.. قلبك الذيأفاض عليَّ من معاني المحبة
والإيثار على النفس ما تعجز عن مثله النفوس.. قلبك الذي يكاد يطير فرحاً إذا رأيتَ ابتسامةً تداعب ثغري، ويكاد يتمزقحزناً إذا رأيتَ عبرةً على خدي..
رسالتي إليك أبي.. وما أرسلتها إليك إلا وكُلِّي يقين أنك تريد لي الخير، ولو مكّنك الله منخير الدنيا كلِّه لما بخلتَ به عليَّ ولوضعتَه بين يديَّ، ولغَلَبَ فرحُكبالنظر إليَّ وأنا أرفُل في ذلك الخير على فرحِك لو كنتَ استأثرتَ بهلنفسك.. لم لا، وأنت الذي تُخرج اللقمةَ من فمك وقد فتك الجوع ببطنك لتضعَها فيفمي؟! وتخلع ثوبك في البرد القارص لتكسوَني؟! رسالتي إليك يا من ملأ حبي قلبَك بصورة عجزت الأقلام عن وصفها.. يا من تريدالخير لي، وتريد أن تراني في أفضل مكانة وأسمى منزلة.. رسالتي إليك أبيالحبيب..
أبي.. أنت تريد لي الخير.. وأي خيرٍ أعظم من أن توجهني إلى حفظ كتاب الله عز وجللأكون من حملتِه؟ أي خيرٍ أعظم من أن تعلِّمَني كتابَ ربي تبارك وتعالى أوتدفعَني إلى من يعلِّمني؟
أبي الغالي.. إن معاني الإيمان واليقين بالله إنما ترسخ في قلبي منذ نعومة أظفاريبتعلُّمي لكلام ربي حتى تسريَ في لساني وجوارحي.. وأنت ترى يا أبي مِن حولكذلك الكم الهائل من الشباب المنحرف التائه في سبل الغواية بين النواصيوالفتيات والمخدرات ثم السجون وضياع المستقبل؟.. فهلَّا حصنتَني منذ صغري؟هلَّا ملأتَ قلبي بأنوار القرآن والحكمة قبل أن تكبلَه قيودُ المعاصيوالشهوات؟ أما علمتَ –أبي الحبيب- أن الله جعل كتابَه حبلَه المتين الذي من تمسَّك بهنجى؟.. سمعتُ أبي حديثاً للنبي صلى الله عليه وسلم فأحببت أن أكتبَه إليك،يقول صلى الله عليه وسلم: "أبشروا فإن هذا القرآن طرفه بيد الله، وطرفهبأيديكم، فتمسَّكوا به فإنكم لن تهلكوا ولن تضلوا بعده أبداً"، سمعتُ هذاالحديث فتذكرتُك يا أبي وأنت تسهر الليالي تخطط لمستقبلي وقد ملأك الخوف منالمستقبل، فلم لا تضعني في يد الحفيظ جل جلاله؟، لم لا تدفعني لحفظ القرآنوتعلُّمه والتمسُّك به حتى أنال هذا الموعود: " فتمسَّكوا به فإنكم لنتهلكوا ولن تضلوا بعده أبداً"؟
أبي.. سمعتُ أيضاً قولَ النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله يرفع بهذا الكتابأقواماً، ويضع به آخرين" فتذكرتُ كيف تريد لي الرفعة دائماً، وكيف تتمني ليأن أكون في أعلى منزلة.. فلم لا تدفعني إلى حفظ ومدارسة كلام من بيده ملكوتكل شيء يرفع من يشاء ويخفض من يشاء؟ ألا تريد لي الرفعة في الدنيا؟ ثم أنت تعلم أن هذه الدنيا ما هي إلا سنوات معدودات.. كأنها حلم ينتهيلنفيقَ منه ونجد أنفسَنا في أول مراحل الآخرة والخلود، ورفعُ الله عز وجللحامل كتابه ليس في الدنيا وحسب، بل وفي الآخرة أيضاً.
أبي الحبيب.. أريد أن أكون من حفظة القرآن الذين يكرمهم الله في الآخرة ويقال لأحدهم: اقرأ وارتق ورتل، فقد سمعتُ قولَ النبي صلى الله عليه وسلم: "يقال لصاحبالقرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آيةتقرؤها"، أبي.. أريد أن أكون من هؤلاء.
أبي.. ألا تحب أن تراني يوم القيامة في أعلى منازل الجنة؟ ألا تحب أن أكون مع خيرملائكة الله السفرة الكرام البررة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة".
أبي.. ما رأيك فيمن يُلبسه الله تاجَ الكرامة وحُلَّةَ الكرامة ويرضى عنه، وكلذلك على مرأى ومسمعٍ من الخلق؟ ألا تتمنى أن تراني هكذا يوم القيامة؟ أتعلمما ثمن ذلك؟ قال صلى الله عليه وسلم: "يجيء صاحب القرآن يوم القيامة، فيقول القرآن: يارب حَلِّه، فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب زده، فيلبس حُلَّة الكرامة،ثم يقول: يا رب ارض عنه، فيرضى عنه، فيقال له: اقرأ وارق، ويزداد بكل آيةحسنة". والخير ليس لي وحسب يا أبي، وإنما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن قارئالقرآن "يُكسى والداه حُلَّتين لا تقوم لهما الدنيا وما فيها، فيقولان: يارب! أنى لنا هذا؟ فيُقال: بتعليم ولدكما القرآن". ألا ترغب أن يشرفَك الله أنت وأمي بهاتين الحُلَّتين في يومٍ يكون الناسفيه حفاةً عراةً؟ قد تكون أنت لم تُوفق يا أبي لأن تكون من حفظة القرآن وحملته، فلا تحرمنفسك من الخير بأن تدفعني إلى حفظه عسى أن يكرمني الله وإياك يوم القيامةعلى رؤوس الأشهاد، وقد كان زيد بن عمرو قد سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم،ولكن حضرته الوفاة قبل أن يدركَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال: اللهمإن كُنتَ حرمتَني من هذا الخير فلا تحرم منه ابني سعيداً، فكان سعيد بن زيدابنُه مِن العشرة المبشرين بالجنة.
أبي الحبيب.. علِّمني القرآن أو ادفعني لمن يعلمني.. ها هي المساجد ودور تحفيظ القرآنمفتوحة لمن أراد أن يتعلم.. ادفعني إليها أبي.. ولا تظنَّن أنك دافعي إلى مكانٍ لتحفيظ القرآن وحسب.. وإنما أنت ترسلني على طريق تحفُّه الملائكة إلى روضة من رياض الجنة، فقدقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت اللهيتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهمالرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده". إن مجلس القرآن يا أبي روضةٌ ليس فيها حظٌ للشيطان.. روضة تتنزل عليهارحمات ربنا الرحمن.. إنها روضة تحفظني فيها بعيداً عن وحوش الدنيا الكاسرة،وشهواتها العارمة الطاغية..
أبي.. أريدُ أن يحبني ربي.. أن تحفني الملائكة.. أن تتنزل عليَّ السكينة.. أنتتغشاني الرحمة.. أبي.. أريد أن يذكرني الله فيمن عنده.. فلا تحرمني.. لا تحرمني فإنما أنا أمانة بين يديك وستُسأل عني يوم القيامة.. ولا أظنك ستبخل عليَّ بهذا الأمر، فما رأيتُ منك إلا كلَّ خير، وما رأيتُمنك إلا حرصاً على الخير لي في دنياي وآخرتي.. أسأل الله –أبتاه- أن يكرمني في الدنيا والآخرة، وأن يرفعني في الدرجات،وأن يكسوَك بحُلَّة الكرامة لأنني ممن قيل لهم: اقرأ وارتق ورتل.. وموعد اللقاء -أبي الحبيب- في الجنة إن شاء الله..