د. عبدالعزيز الفوزان تأملْ أيها المسلم في ساعتك، وانظر إلى عقرب الساعة وهو يأكل الثوانيأكلاً، لا يتوقف ولا ينثني، بل لا يزال يجري ويلتهم الساعات والثواني،سواء كنت قائماً أو نائماً، عاملاً أو عاطلاً، وتذكّرْ أن كل لحظة تمضي،وثانية
تنقضي فإنما هي جزء من عمرك، وأنها مرصودة في سجلك ودفترك، ومكتوبفي صحيفة حسناتك أو سيئاتك، فاتّق الله في نفسك، واحرص على شغل أوقاتكفيما يقربك إلى ربك، ويكون سبباً لسعادتك وحسن عاقبتك، في دنياك وآخرتك. وإذا كان قد ذهب من هذا الشهر أكثره، فقد بقي فيه أجلّه وأخيره، لقد بقي فيه العشر الأواخر التي هي زبدته وثمرته، وموضع الذؤابة منه. ولقد كان صلى الله عليه وسلم يعظّم هذه العشر، ويجتهد فيها اجتهاداً حتىلا يكاد يقدر عليه، يفعل ذلك – صلى الله عليه وسلم- وقد غفر الله له ماتقدم من ذنبه وما تأخّر، فما أحرانا نحن المذنبين المفرّطين أن نقتدي به – صلى الله عليه وسلم- فنعرف لهذه الأيام فضلها، ونجتهد فيها، لعل الله أنيدركنا برحمته، ويسعفنا بنفحة من نفحاته، تكون سبباً لسعادتنا في عاجلأمرنا وآجله. روى الإمام مسلم عن عائشة – رضي الله عنها- قالت: "كان رسول الله – صلىالله عليه وسلم- يجتهد في العشر الأواخر، ما لا يجتهد في غيره". وفي الصحيحين عنها قالت: "كان النبي – صلى الله عليه وسلم- يخلط العشرين بصلاة ونوم، فإذا كان العشر شمَّر وشدّ المئزر". فقد دلت هذه الأحاديث على فضيلة العشر الأواخر من رمضان، وشدة حرص النبي – صلى الله عليه وسلم- على اغتنامها والاجتهاد فيها بأنواع القرباتوالطاعات، فينبغي لك أيها المسلم أن تفرغ نفسك في هذه الأيام، وتخفّف منالاشتغال بالدنيا، وتجتهد فيها بأنواع العبادة من صلاة وقراءة، وذكروصدقة، وصلة للرحم وإحسان إلى الناس. فإنها –والله- أيام معدودة، ما أسرعأن تنقضي، وتُطوى صحائفها، ويُختم على عملك فيها، وأنت –والله- لا تدري هلتدرك هذه العشر مرة أخرى، أم يحول بينك وبينها الموت، بل لا تدري هل تكملهذه العشر، وتُوفّق لإتمام هذا الشهر، فالله الله بالاجتهاد فيها والحرصعلى اغتنام أيامها وليالها، وينبغي لك أيها المسلم أن تحرص على إيقاظأهلك، وحثهم على اغتنام هذه الليالي المباركة، ومشاركة المسلمين فيتعظيمها والاجتهاد فيها بأنواع الطاعة والعبادة. ولنا في رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أسوة حسنة فقد كان إذا دخل العشر شدَّ مئزره، وأحيا ليله وأيقظ أهله. وإيقاظه لأهله ليس خاصاً في هذه العشر، بل كان يوقظهم في سائر السنة، ولكنإيقاظهم لهم في هذه العشر كان أكثر وأوكد. قال سفيان الثوري: أحب إليّ إذادخل العشر الأواخر أن يتهجد بالليل، ويجتهد فيه، ويُنهض أهله وولده إلىالصلاة إن أطاقوا ذلك. وإن لمن الحرمان العظيم، والخسارة الفادحة، أن نجد كثيراً من المسلمين،تمر بهم هذه الليالي المباركة، وهم عنها في غفلة معرضون، فيمضون هذهالأوقات الثمينة فيما لا ينفعهم، فيسهرون الليل كله أو معظمه في لهو ولعب،وفيما لا فائدة فيه، أو فيه فائدة محدودة يمكن تحصيلها في وقت آخر، ليستله هذه الفضيلة والمزية. وتجد بعضهم إذا جاء وقت القيام، انطرح على فراشه، وغطّ في نوم عميق، وفوّت على نفسه خيراً كثيراً ، لعله لا يدركه في عام آخر.
ومنخصائص هذه العشر: ما ذكرته عائشة من أن النبي – صلى الله عليه وسلم- كانيحيي ليله، ويشدّ مئزره، أي يعتزل نساءه ليتفرغ للصلاة والعبادة. وكانالنبي – صلى الله عليه وسلم- يحيي هذه العشر اغتناماً لفضلها وطلباً لليلةالقدر التي هي خير من ألف شهر. وقد جاء في صحيح مسلم عن عائشة – رضي الله عنها- قالت: ما أعلم – صلى اللهعليه وسلم- قام ليلة حتى الصباح" ولا تنافي بين هذين الحديثين، لأن إحياءالليل الثابت في العشر يكون بالصلاة والقراءة والذكر والسحور ونحو ذلك منأنواع العبادة، والذي نفته، هو إحياء الليل بالقيام فقط. ومن خصائص هذه العشر أن فيها ليلة القدر، التي قال الله عنها: (ليلة القدرخير من ألف شهر، تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هيحتى مطلع الفجر). وقال فيها: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين،فيها يفرق كل أمر حكيم) أي يفصل من اللوح المحفوظ إلى الملائكة الكاتبينكل ما هو كائن في تلك السنة من الأرزاق والآجال والخير والشر، وغير ذلك منأوامر الله المحكمة العادلة. يقول النبي – صلى الله عليه وسلم- "وفيه ليلة خير من ألف شهر من حُرمهافقد حُرم الخير كله، ولا يُحرم خيرها إلا محروم" حديث صحيح رواه النسائيوابن ماجه. قال الإمام النحعي: "العمل فيها خير من العمل في ألف شهر سواها". وقد حسب بعض العلماء "ألف شهر" فوجدوها ثلاثاً وثمانين سنة وأربعة أشهر،فمن وُفّق لقيام هذه الليلة وأحياها بأنواع العبادة، فكأنه يظل يفعل ذلكأكثر من ثمانين سنة، فياله من عطاء جزيل، وأجر وافر جليل، من حُرمه فقدحُرم الخير كله. وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي – صلى الله عليه وسلم- قال: "من قامليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدّم من ذنبه" وهذه الليلة فيالعشر الأواخر من رمضان لقول النبي – صلى الله عليه وسلم- "تحرّوا ليلةالقدر في العشر الأواخر من رمضان" متفق عليه. وهي في الأوتار منها أحرى وأرجى، وفي الصحيحين أن النبي – صلى الله عليهوسلم- قال: التمسوها في العشر الأواخر في الوتر" أي في ليلة إحدى وعشرين،وثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين، وتسع وعشرين. وقد ذهب كثير منالعلماء إلى أنها لا تثبت في ليلة واحدة، بل تنتقل في هذه الليالي، فتكونمرة في ليلة سبع وعشرين ومرة في إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرينأو تسع وعشرين. وقد أخفى الله سبحانه علمها على العباد رحمة بهم، ليجتهدوا في جميع لياليالعشر، وتكثر أعمالهم الصالحة فتزداد حسناتهم، وترتفع عند الله درجاتهم (ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون)، وأخفاها سبحانه حتىيتبين الجادّ في طلب الخير الحريص على إدراك هذا الفضل، من الكسلانالمتهاون، فإن من حرص على شيء جدَّ في طلبه، وسهل عليه التعب في سبيلبلوغه والظفر به، فأروا الله من أنفسكم خيراً واجتهدوا في هذه اللياليالمباركات، وتعرّضوا فيها للرحمات والنفحات، فإن المحروم من حُرم خيررمضان، وإن الشقي من فاته فيه المغفرة والرضوان، يقول النبي – صلى اللهعليه وسلم- "رغم أنف من أدرك رمضان ثم خرج ولم يُغفر له" رواه ابن حبانوالحاكم وصححه الألباني. إن الجنة حُفّت بالمكاره، وأنها غالية نفيسة، لا تُنال بالنوم والكسل،والإخلاد إلى الأرض، واتباع هوى النفس. يقول النبي – صلى الله عليه وسلم- "من خاف أدلج - يعني من أول الليل- ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة اللهغالية، ألا إن سلعة الله الجنة". وقد مثل النبي – صلى الله عليه وسلم- المسافر إلى الدار الآخرة -وكلنا كذلك – بمن يسافر إلى بلد آخر لقضاء حاجةأو تحقيق مصلحة، فإن كان جاداً في سفره، تاركاً للنوم والكسل، متحملاًلمشاق السفر، فإنه يصل إلى غايته، ويحمد عاقبة سفره وتعبه، وعند الصباحيحمد القوم السرى. وأما من كان نوّاماً كسلان متبعاً لأهواء النفس وشهواتها، فإنه تنقطع بهالسبل، ويفوته الركب، ويسبقه الجادّون المشمّرون، والراحة لا تُنالبالراحة، ومعالي الأمور لا تُنال إلا على جسر من التعب والمشقات (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوااللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [آل عمران:200]. ومن خصائص هذه العشرالمباركة استحباب الاعتكاف فيها، والاعتكاف هو: لزوم المسجد للتفرغ لطاعةالله عز وجل – وهو من السنة الثابتة بكتاب الله وسنة رسوله – صلى اللهعليه وسلم- قال الله تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) وكانالنبي – صلى الله عليه وسلم- يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه اللهعز وجل، واعتكف أزواجه وأصحابه معه وبعده. وفي صحيح البخاري عن عائشة – رضي الله عنها- قالت: كان النبي – صلى اللهعليه وسلم- يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قُبض فيهاعتكف عشرين يوماً.
والمقصودبالاعتكاف: انقطاع الإنسان عن الناس ليتفرغ لطاعة الله، ويجتهد في تحصيلالثواب والأجر وإدراك ليلة القدر، ولذلك ينبغي للمعتكف أن يشتغل بالذكروالعبادة، ويتجنب ما لا يعنيه من حديث الدنيا، ولا بأس أن يتحدث قليلابحديث مباح مع أهله أو غيرهم. ويحرم على المعتكف الجماع ومقدماته لقوله تعالى: (...ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد...)
وأما خروجه من المسجد فهو على ثلاثة أقسام: 1- الخروج لأمر لا بد منه طبعاً أو شرعاً لقضاء حاجة البول والغائطوالوضوء الواجب والغسل من الجنابة، وكذا الأكل والشرب فهذا جائز إذا لميمكن فعله في المسجد. فإن أمكن فعله في المسجد فلا. مثل أن يكون في المسجددورات مياه يمكن أن يقضي حاجته فيها، أو يكون له من يأتيه بالأكل والشرب،فلا يخرج حينئذ لعدم الحاجة إليه. 2- الخروج لأمر طاعة لا تجب عليه كعيادة مريض، وشهود جنازة ونحو ذلك، فلايفعله إلا أن يشترط ذلك في ابتداء اعتكافه مثل أن يكون عنده مريض يحب أنيعوده أو يخشى من موته، فيشترط في ابتداء اعتكافه خروجه لذلك فلا بأس به. 3- الخروج لأمر ينافي الاعتكاف كالخروج للبيع والشراء ونحو ذلك، فلا يفعلهلا بشرط ولا بغير شرط؛ لأنه يناقض الاعتكاف وينافي المقصود منه، فإن فعلانقطع اعتكافه ولا حرج عليه.