الأعضاء: 37 الأخبار: 204 المواقع الخارجية: 10 الزوار: 66470
فتاوى مهمة في إخراج زكاة الفطر نقدًا
فيكلّ عام ومع وصول شهر رمضان المبارك إلى آخر أيامه الكريمة يزداد اللغطوالجدال حول زكاة الفطر.. .. بين فريقين فريق يجوّز إخراجها نقدًا، وفريقيحرّم إخراجها نقدًا، ويقول إنّ إخراجها نقدا غير مجزيء
لمن فعله، أحببتأن أعرض عليكم فتاوى مهمّة للعلماء في هذا الشأن، واخترت اثنتين واحدةللعلامة الأستاذ الدكتور مصطفى الزرقاء رحمه الله والثانية لفضيلة الشيخالدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله
ومن المعلوم أنّ الأفضل والأيسر للفقير والمزكي إخراج القيمة نقودا،لأن العلة من فرض الزكاة هو إغناء الفقراء في هذا اليوم فمتى تحقق الإغناءكان ذلك هو الأولى.
وإليك الفتوى بالتفصيل لفضيلة الشيخ الدكتور مصطفى الزرقاء ـ رحمه الله ـ أستاذ الشريعة بجامعات سوريا:
ثَبَتَ عن النَّبِيِّ ـ صلَّى الله عليه وسلم ـ أنه أخرَج وأمَرَ بأنيُخرِجَ مَن كان مقتدرًا زكاةً عن فطره في آخر رمضان ـ بعد صلاة الفجروقبل صلاة العيد ـ مقدارُها عن نفسه وعن كل فرد تحت ولايته ومئونته صاعٌمن البُرِّ (القمح)، أو نصفُ صاع منه، بحسب اختلاف الرواية، أو صاع منالشعير أو من التمر أو الزبيب أو الأَقِط وذلك معونة للفقراء بمناسبة عيدالفطر عَقِبَ شهر الصيام.
ورُوِيَ أنه ـ عليه الصّلاة والسلام ـ قال: "أغنوهم في هذا اليوم". ولميُنْقَلْ في ذلك خلافٌ يعرف في الصدر الأول من الإسلام بين الصَّحابةوالتابعين، فكان الناس يخرجون زكاة فطرهم ممّا يتيسَّر لهم من هذه الأموالالغذائية الخمسة سوى ما نُقل من اختلافهم بالنسبة إلى البُرِّ (القمح) بسباختلاف الرواية فيه: هل يُخرج منه نصفَ صاع أو صاعًا كاملاً كالشَّعير؟
وواضح جدًّا من قول الرسول ـ عليه الصلاة والسلام: "أغْنُوهم في هذااليوم"أن المقصودَ الأساسيَّ من هذه العبادة المالية هو إغناء الفقير فيهذا اليوم، يوم الفرحة والسرور، وليس المقصود نوعًا أو أنواعًا معينةًبذاتها من الأموال، بدليل أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ جمع بين خمسة أنواعمن الأطعمة الميسورة للناس في ذلك الوقت مختلفة الوظائف: فمنها غذاء أساسيلسدِّ الجوع، ومنها ما هو للتحلية والتَّسلية في يوم الفرحة كالزَّبيب. ثُمَّ ما إِنْ نشأت المذاهب الفقهية، وتكوَّنت حولها الأتباع، حتى بدأالتَّرف العلمي يَذُرُّ قَرْنُه، ويمسك بنقاط فرعيةٍ في الموضوع يَقفعندها، ويتشدَّد فيها، ويربط بها أصل العبادة بتأويل يتمسك به، ولا يرىوجهًا لخلافه، وينسَى حكمة الشارع من الأحكام، وينسَى التمييز بين الوسائلوالغايات، بل يعطي الوسائل غير المقصودة بالذات أكثرَ مما يعطي الغاياتالشرعية الثابتة من الأهمية !!
فوُجد مَن قال من أهل المذاهب: لا يجوز أن تُخرَج زكاة الفطر إلا من هذهالأرزاق الخمسة عينًا، ولا يصح منه إعطاءُ الفقراء قيمتَها من الدراهموالدنانير.
وحجتهم في ذلك أن هذا هو الذي ورد في السنة النبوية، وأن زكاة الفطر منالعبادات، وأن الأصل في العبادات التوقيف وعدم التعليل، فيجب الوقوف عندحدود النص، ولا يجري فيها القياس والاستحسان والاستصلاح. وقد كانت الدراهموالدنانير موجودة وقت التشريع ولم يذكرهما النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـولم يُنقل عن أحد من الصحابة أنه أخرجها بالدراهم أو الدنانير، ولو أنهحَصَل لَنُقِلَ؛ لذلك لا تصحُّ زكاة الفطر في نظرهم إلا من هذهالأعيان.والجواب: عن هذه الحجة واضح للمتأمل: هو أن زكاة الفطر من أصلهاهي معقولة المَعنى، مثل زكاة الأموال التي هي مئونة وتكليف مالي اجتماعيلمصلحة الفقراء، الذين يجب أن ينهَض بهم الأغنياء، فلا يكون المجتمعالإسلامي قسمين ولا وسط بينهما: قسمَ الأغنياء المَتخومين، وقسمَ الفُقراءالمحرومين. فتشريع زكاة الفطر وزكاة الأموال معقول المعنى، ويجب عند الاشتباه النظرإلى ما هو أنفع للفقير، أو أيسر على المكلف، وليس مثل عدد ركعات الصلواتتوقيفًا محضًّا لا دخل للعقل فيه، بل الفارق بينه وبين عدد الرَّكَعَاتفارِق عَظيمٌ .
ألا ترى أن تحديد المقادير في زكاة الفطر بإجماع المذاهب إنما هو تَحديدللحدِّ الأدنى الذي لا يصح أقلُّ منه، ولو زادَ المكلَّف فيه فأعْطَىأكثرَ منه فله فَضل ثَواب، بينما لو زادَ المصلِّي فِي ركعات فَريضةالصلاة لا يجوز له ولا يُقبل منه؟! على أن زكاة الفِطر قد جاء في الحديث النبوي نفسه تعليلها معها، فقد بيَّنالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حكمتَها وغايتَها وسبب إيجابها حين قال: "أغنوهم في هذا اليوم" وأصل الإغناء يكون بالنقود التي تصلُح لجلب جميعالحاجات من أغذية وغيرها. وأما أنَّ النبي ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ لم يذكر الدنانير والدراهم فيزكاة الفطر، ولم يُنقل عن أحد من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أنه أخرجَبها، فذلك سببه أنها كانت قليلةً في ذلك الوقت لا يَتوافَر منها إلاالقليل لدى القليل من الناس، ومعظم أموالِهم التي كانوا يتداوَلونهاويتبادلون بها كأنَّها نقود، قد كانت هذه الأنواع الغذائية التي وردت فيحديث زكاة الفطر، وأنواع الأنعام لدى أهل البوادي من الإبل والغَنم والبقر. والله ـ سبحانه وتعالى ـ لم يتعبَّدْنا بشيء من أنواع الأموال أو الأغذيةعلى سبيل التعيين والتخصيص، تحت طائلة البُطلان لو قدَّمنا في الواجباتالمالية غيرَها، وإنما تعبَّدَنا بالمالية المطلَقة، وبمقاديرَ محدَّدةٍمنها؛ لأنها هي ذات الاعتبار الثابت لدى جميع البشر، وفي جميع الأزمنة. فربح التاجر وخسارته مثلاً لا يرتبطان بنوع معين من أمواله إذا زاد أونَقَص، وإنما يرتبطان بمجموع ما عنده من أنواع المال ذات القيمة أيًّاكانت.
إن زكاة الأموال ـ وهي أعظم عبادة مالية في تكاليف الإسلام، مع أن اللهتعالى قال فيها: (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقةً تُطَهِّرُهُمْوتُزَكِّيهِمْ بِهَا..)، التوبة: 103 ممّا يُشعِر ظاهرُه أنها يجب أنتؤخَذ من عين المال المُرادِ تزكيته ـ يصحُّ بالإجماع أن يخرج الإنسان مايعادِل قيمتَها من النقود، بل من مال آخرَ لديه؛ لأن مقصودَ الزكاة أنيتخلى المكلَّف عن قدر من ثروتِه محدد إلى الفقراء كيلا يبقَى المجتمعالإسلامي ـ كما سبق بيانه ـ متكوِّنًا من مَتخومين ومحرومين. وأفضل مايتخلَّى عنه المكلَّف من ثروته لمصلحة الفقراء هو النقودُ، التي يستطيعبها الفقير وفاءَ جميع حاجاته، وتحصيلها بكلِّ يسر، في حين لو اجتمع لديهمجموعة من الأرزاق بأعيانها لا يستطيع أن يستفيدَ منها ما يستفيد منالنقود. على أن المزكِّيَ لو أرادَ أن يُخرج زكاتَه من أعيان المال الذيعنده لكان مقبولاً منه؛ لأنه قد يكون هو الأيسر عليه، وأن سياسة الإسلامالتيسيرُ على المكلَّف.
يقول الأستاذ الكبير العلامة الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه القيم: "كيف نتعامل مع السنة النبوية" (ص: 138) ما نصه.
"السنة بين اللفظ والرُّوح أو بين الظَّواهر والمقاِصِد ". إن التمسك بحرفية السنة أحيانًا لا يكون تنفيذًا لرُوح السنة ومَقصودها، بل يكون مُضادًّا لها، وإن كان ظاهره التمسكَ بها. خذ مثلاً تشدُّدَ الذين يرفضون كل الرّفض، ولا يجيزون إخراج زكاة الفطربقيمتها نقدًا، كما يُجيزه أبو حنيفة وأصحابه، وهو قول عمر بن عبد العزيزوغيره من فُقهاء السلف. وحجة هؤلاء المتشدِّدين: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أوجبها في أصنافمعينة من الطعام: التمر والزَّبيب والقمح والشّعير، فعلينا أن نقف عند ماحدَّده رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا نعارض السنة بالرأي. ولو تأمَّل هؤلاء الإخوة في الأمر كما ينبغي لوجدوا أنهم خالَفوا النبي ـصلى الله عليه وسلم ـ في الحقيقة، وإن اتبعوه في الظّاهر، أقصد أنهم عُنوابجِسم السنة، وأهملوا رُوحَها.
فالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ راعَى ظروف البيئة والزمن، فأوجب زكاةالفطر مما في أيدي الناس من الأطعمة، وكان ذلك أيسرَ على المُعطي، وأنفعَللآخِذ. فقد كانت النقود عزيزة عند العرب، وخصوصًا أهل البوادي، وكان إخراج الطعامميسورًا لهم، والمساكينُ محتاجون إليه؛ لهذا فَرَضَ الصّدقة من الميسورلهم. حتّى إنَّه رَخَّص في إخراج (الأَقِط) ـ وهو اللَّبَن المُجفَّف المنزوعزُبْدُه ـ لمن كان عنده وسهل عليه، مثل أصحاب الإبل والغنم والبقر من أهلالبادية.
فإذا تغيَّر الحال، وأصبحت النقود متوافرة، والأطعمة غير متوافرة، أو أصبحالفقير غيرَ محتاج إليها في العيد، بل محتاجًا إلى أشياءَ أخرى لنفسه أولعياله، كان إخراج القيمة نقدًا هو الأيسرَ على المُعطي، والأنفعَ للآخذ،وكان هذا عملاً بروح التوجيه النبوي، ومقصوده أ.هـ.
لقد آل تشدُّد هؤلاء المتشددين تشدُّدًا في غير محلِّه، حيث يطبق رأيهم،إلى أن تنعكس الآية بالنسبة إلى الفقراء، فيقعوا هم في الخسارة، وينالُهمالضَّرر من جرّاء هذا التّشدُّدِ !!
فقد سمعتُ، ثُمَّ رأيتُ بنفسي أن الرَّجل يأتي عندهم إلى السوق في آخررمضان، فيشتري القمح والشعير والتمر بمقدار ما عليه من زكاة الفطر، ويأخذهإلى الفقراء القاعدين في زاوية من السوق فيعطيهم إياه، وقد يكونونمحترفين، وما إن يذهب حتى يقوم هؤلاء إلى البائع نفسه فيبيعونه ما أخذوابثمن أدنى ممّا باع به الرجل الذي اشتراه من عنده؛ لأن الفقير الذي أخذالأرزاق ليس محتاجًا إليها، بل هو محتاج إلى النقود، فتعود النتيجة عليهبالخسارة، ولو دفع المزكِّي قيمتها مباشرة إليه لحصل على نقود أكثر.
إن مَن يدفع قيمة صدقة الفطر من النقود للفقير يكون قد أعطاه عمليًّاأيًّا من الأطعمة الواردة في الحديث، مع زيادة، وهي فرصة اختيار ما يشاءمن تلك الأطعمة، أو اختيار سواها من حاجاته التي هي في نظره أهمُّ. وبذلك يكون معطي القيمة من النقود قد أدَّى الواجب، وأحسن بالزيادة، فكيف يقال: إن هذا غير جائز؟! هذا، وقد نقل العلامة المرداوي من الحنابلة في كتابه"الإنصاف" أن جواز إخراج القيمة من النقود هو رواية مخرَّجة من الإمام أحمد نفسه.
تناقض هؤلاء المتشددين: في هذا العصر وَجَد هؤلاء المتشدِّدون أنفسَهم أمام مشكلة بالنسبة إلىالقمح والشعير، اللذين هما العنصر الغذائي الرئيسي بين الأنواع الخمسةالواردة في الحديث النبوي. ذلك أنه في هذا العصر قد تبدَّلت وسائل حياة الناس تبدُّلاً عظيمًا؛ بسببالابتكارات المذهِلة التي ظهرت خلال هذا القرن، ويسَّرت العسير، وأحدثتالكثير مما لم يكن مُمكنًا في أوائل هذا القرن. فاليوم في المدن لم يعد أحد يتموَّن القمح أو الشعير، ويطحَن في بيتهويخبِز، بل كل أسرة تشترى خبزَها وبرغلَها جاهزًا من السوق، وتختار منأنواعه المتعددة ما تشاء. وهكذا غابت الرَّحَى السَّوداء المتنقلة منالبيوت بعد أن ظلت الرَّحى القرونَ الطِّوالَ من أساسيات كلِّ بيت، ولميبق لها وجود إلا في حياة البوادي والقبائل الرُّحَّل، فماذا يفعل اليومالفقير بصاع القمح أو الشعير، وكيف يطحنه ويخبزه؟
هنا تنبه المتشددون في زكاة الفطر، فأفتَوا بإضافة الأُرْزِ إلى الأصنافالخمسة التي وردت في الحديث النبوي، وهنا سقطوا في التناقض!! فإنحُجَّتَهم الوحيدة في الاقتصار على الأصناف الخمسة، كما سبق بيانه، إنماهي أن زكاة الفطر عبادة، وأن العبادات مَبْنِيَةٌ على التَّوقِيف، ولايجري فيها التعليل والقياس، فكيف ساغ لهم أن يُفْتُوا في هذا العصر بإدخالالأُرْزِ، مع أنه لم يَرِدْ بين الأصناف الواردة في الحديث؟ إن أي حجة أو مسوغ يلتمسونه لإدخال الأرْزِ، هي نفسها حجة لإدخال النقودالتي تجلب للفقير الأنواع الخمسة ذاتها والأرْز وغيره أيضًا، مما يكون فيبعض البلاد هو النوع الأساسي في غذائهم، ففي بعض بلاد أفريقية اليوم يعتبرالمَوز هو خبزهم وأرزهم، ويجفِّفونه ويتموَّنونه، كما يَتَمَوَّنُغَيْرُهم القَمْحَ والشَّعير. أسأل الله ـ تعالى ـ الهداية إلى سواء السبيل، وأن يُبصِّرَنا في شريعتنابالبصيرة المنيرة التي تُجنبنا التضييق والتساهل، فإن التضييق تشويهٌ،والتساهل تضييعٌ، وأن يرزقنا التقوى، فإنها الحفاظ لميزان الاعتدال، إنهسميع مجيب.