ليستالبرمجة اليومية مجرد أعمال توزع على أزمان في بحر اليوم ، بليله ونهاره،وبأجزائه وآنائه، ولكنها قبل ذلك قواعد ومبادئ يعتمد المبرمج عليهاويتخذها منطلقا له ومرجعا.
ولقد أسس الرسول صلى الله عليه وسلم حياته بتوفيق من الله تعالى ، وبكفاآتعالية متعه بها ، على جملة من القواعد هي المقدمة لكل برمجة أصيلة وعميقة، وهي المرتكز المنهجي في برمجة اليوم لكل مسلم ، بل لكل إنسان ينبغي حياةسعيدة ومتوازنة من هذه القواعد ما يُستخرج من القرآن الكريم، وعلى رأسهاقاعدة " محورية الصلاة للبرنامج اليومي " ومنها ما جاءت به السنة النبويةالشريفة ....
" لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا "
ومن أجل هذا لم يعرف التاريخ رجل منذ خلق الله تعالى آدم عليه السلام إلىيوم الناس هذا، قد نقلت لنا تفاصيل حياته ، ودقائق تصرفاته ، كما نقلتتفاصيل حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ودقائق تصرفاته ". ولا نعلم سيرة قد نقحت، وحققت، ومحصت، كما فُعل بسيرةرسول الله صلى الله عليه وسلم . علاقة الرسول صلى الله عليه وسلم مع الوقت ، لا من جانب واحد، ولكن منجوانب متفرقة ، باعتباره نبيا ، بل بالنظر إليه إنسانا " يأكل الطعامويمشي في الأسواق " (سورة الفرقان - 7).
كيف كان محمد صلى الله عليه وسلم يخطط يومه ويبرمجه ؟
وماهي أبرز خصائص تعامل محمد صلى الله عليه وسلم مع الزمن ؟ وكيف كان ليله ونهاره ؟ مساؤه وصباحه ؟ بكرة وأصيلة ؟ سحره وظهيرته؟ ثمة محاولات من المتقدمين وأخرى من كتاب معاصرين ، ولكنها تحتاج إلى ضبطهاوفي قالب معاصر يجيب على إشكالات العلوم الزمنية ، ويوظف مصطلحاتهاومناهجها...
جمع الطحاوي في مشكل الآثار حديث "لكل عمل شِرَةٌ " ومن بين هذا الرواياتما روي عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن لكل عمل شِرَةٌ ، ولكل شرة فترة فإما إلى سنة وإما إلى بدعة ، فمنكانت فترته سنتي فقد اهتدى ، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك". ومنهارواية عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لكل عمل شِرَةٌ،ولكل شرة فترة " فإن كان صاحبها ساد وقاربا فارجوه، وإن أشير إليهبالأصابع فلا تعدوه". وفي معنى شِرَةٌ والفترة يقول المارودي:" جعل الإسلام شرة وهي الإيغال والإكثار ، وجعل للشرة فترة وهي الإهمال والاستكثار" ولهذه القاعدة شواهد كثيرة من السنة النبوية ، منها ما روى مسلم أن رسولالله صلى الله عليه وسلم :" سئل أي العمل أحب إلى الله تعالى ؟ قال "أدومهوإن قل"، وعن علقمة قلت لعائشة رضي الله عنها :" هل كان رسول الله صلىالله عليه وسلم يختص من الأيام شيئا؟ قالت : لا كان عمله ديمة، وأيكم يطيقما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيق". وسر تفضيل العلم الدائم مع القلة ، على المنقطع الكثرة " أن المداومة فيهاتغذية الإيمان في كل وقت ، فلا تذبل شجرته، وفيها مراقبة دائبة النفوس،فهي دائما صاعدة في سلم الكمال، ولا كذلك الإجهاد الذي يقعد الإنسان عنالعمل ، فتذوى شجرة الإيمان ، وتضعف نفسه عن مكافحة الشدائد. وفي البرمجة اليومية للرسول صلى الله عليه وسلم لنا بقية الحديث ان شاء الله وابتغاء الديمة في الأعمال من الناحية النفسية يعين على اقتلاع العادةالسوء، ويحول أصعب الأعمال اليومية إلى عادات سهلة يسيرة تؤتي بلا مشقةولا تكلف. ولقد صاغ الفقهاء من "الديمة" يعني المداومة قاعدة في فقه الأولويات وهي " أولوية العمل الدائم النفه على العمل المنقطع" ذلك أنه بالمداومة علىالقليل تستمر الطاعة وتكثر بركتها بخلاف الكثير الشاق...
وفي البرمجة اليومية والزمنية للرسول صلى الله عليه وسلم يلاحظ أن قاعدةالمداومة ، كما وردت في الأحاديث تستلزم جملة من الخطوات المنهجيةيستنتجها المحلل لمحتوى النصوص الآتية منها :
-تحديد الغاية ، وهي ابتغاء " وجه الله " ثم ضبط الأهدافمع مراعاةالأولويات، وذلك بابتغاء أحب الأعمال إلى الله . -العمل بذكاء لا بشدة وهذا بتنظيم العلاقة النفسية بين الشرة والفترة وعدمالإيغال في العمل ، ثم التعطل بعده في معصية أو في غير منفعة، ومن الناحيةالعملية ترتبط هذه الخطوة بعدة مداخل في إدارة الوقت ، منها أن الذييتعامل مع الوقت "كعدو" يعتقد خطأ أنه " كلما عمل الفرد بمشقة أكثر، فإنذلك يعني أنه أنجز أكثر"والصواب أنه " لا توجد أي علاقة مباشرة بين العملالشاق والإنجاز الإيجابي". والمثل يقول :" اعمل بأكثر براعة لا بأكثرقساوة..... ولقد تبنت الجمعية الأمريكية لتقييم المهندسين هذا الشعار ، كمحاولة منهالتمييز الشغل من الانشغال، ولقد طور الفكر الغربي بناء على هذه القاعدةمفهوم تخطيط الوقت ، وتخطيط اليوم مظهر من مظاهره لأن التخطيط هو الوسيلةالأكيدة للعمل بذكاء عوض العمل بقوة ، أما الفكر الإسلامي المعاصر فأبقىهذه القاعدة في مستوى النصائح والمواعظ، رغم أن أصولها متجذرة فيه،والمفروض في العمل على تحويل قاعدة "الديمة" إلى مجال خصب في التربيةوالتعليم ، وفي علم العمل ، وفي الترويح . القلة مع المداومة خير من الكثرة مع الانقطاع: ويفسر الغزالي هذا بمثل جيد أجمله في قوله :" ومثال القليل الدائم كقطراتماء تتقاطر على الأرض على التوالي، فتحدث فيها حفيرة ، ولو وقع ذلك علىالحجر. ومثال الكثير المتفرق ماء يصب دفعة أو دفعات متفرقة متباعدةالأوقات ، فلا يبين لها أثر ظاهر" ... هذه المداومة على العمل بعينها في جانبها التطبيقي برمجة زمنية، وفي دائرةاليوم الواحد، هي برمجة يومية ، فلم يكن عليه السلام يستجيب للطوارئوالضغوطات، أو يعمل دون أهداف مسطرة وغايات واضحة، ولذا استطاع أن ينجز مالم ينجزه في عمر قصير. وثمة تطبيقات عملية أخرى لقاعدة المداومة ، منها على سبيل المثال: أسلوبالدقيقة الواحدة في الإدارة ، وخطوات التغيير في علم التغيير...
قاعدة التسديد ، والمقاربةلأصول وقواعد البرنامج الزمني للرسول صلى الله عليه وسلم
رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث في فلسفةالعمل اليومي، تقوم على أساس قاعدة للتسديد والمقاربة ، ولقد تعددت الصيغوالروايات ، أقربها معنى إلى البرمجة قوله عليه السلام فيما رواه أبيهريرة رضي الله عنه : " إن الدين يسر، ولن يشاد أحد الدين إلا غلبه ،فسددوا وقاربوا ، وابشروا واستعينو، بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة" ،وفي لفظ لن ينجي أحد منكم عمله ، قالوا : ولا أنت يا رسول الله ، قال ولاأنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته، سددوا وقاربوا وأغدوا، وروحوا، وشيئ منالدلجة ، والقصد القصد تبلغوا" رواه البخاري .
ومعنى سددوا: قوموا ، من سدده تسديدا قومه، وقيل منالسداد في الأمر وهو الصواب من غير إفراط وتفريط ، أي فوسطوا الأمور بلازيادة ولا نقصان". وقاربوا: أي السداد، ولا يبعد أن يقال قاربوا إلى الله ورحمته بذلك التسديد، فهو من قبيل عطف المعلول على العلة . والغدوة أول النهار، والروحة آخره ، والدلجة آخر الليل، والمراد من الحديث " العمل وقت النشاط والفراغ، كما أن المسافر يسير فيس هذه الأوقات لليسر". وقيل المعنى اعملوا آناء الليل وأطراف النهار واستريحوا سائر الأوقات ..... وهذه القاعدة ترتبط بالبرمجة اليومية ارتباطا وثيقا ، بل في الأحاديث تصريح بأنها تخص برمجة العمل اليومي للمسلم، ومما يؤخذ منها: